رغم أن المسار الميداني خلال الأيام الماضية أوحى بأن الحرب على الجبهة اللبنانية لا تزال بعيدة عن نهايتها، فإن ما جرى في الكواليس السياسية والدبلوماسية، ولا سيما في الاتصالات الأميركية الإيرانية التي انتقلت إلى سويسرا، رسم صورة مختلفة تماماً. فبحسب المعطيات المتقاطعة، بات وقف إطلاق النار في لبنان جزءاً أساسياً من التفاهمات الأوسع التي يجري العمل على تثبيتها بين واشنطن وطهران، بعدما تبيّن للطرفين أن أي اتفاق إقليمي لا يمكن أن يصمد إذا بقيت الجبهة اللبنانيّة مفتوحة على احتمالات الانفجار.
المحادثات التي انتقلت إلى سويسرا جاءت بعد مرحلة من التعثر والتصعيد، إذ أدت الغارات الإسرائيلية المكثفة والتوتر الميداني في الجنوب إلى تأجيل بعض اللقاءات المقررة بين الأميركيين والإيرانيين، قبل أن تنجح الضغوط السياسية في إعادة الأمور إلى مسارها. وقد برزت خلال هذه المحادثات قناعة مشتركة بأن تثبيت الهدنة في لبنان يشكل شرطاً ضرورياً لإنجاح أي تفاهم أوسع يتعلق بالمنطقة، وهو ما دفع إلى إدراج الملف اللبناني بنداً أساسياً على جدول الأعمال، لا ملفاً ثانوياً ملحقاً بالمفاوضات.
في هذا السياق وبحسب مصادر سياسية مطلعة برز الدور الذي لعبه رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي تحوّل خلال الأسابيع الأخيرة الّتي سبقت الاتفاق الايراني الأميركي إلى القناة الأساسية بين واشنطن وحزب الله. فبري كان قد أبلغ الأميركيين منذ أسابيع استعداد الحزب للالتزام بوقف شامل لإطلاق النار إذا التزمت إسرائيل بالمثل، رافضاً الطروحات التي كانت تتحدث عن هدن جزئية أو ترتيبات موضعية وموقتة. ومنذ ذلك الحين تطورت الأفكار وصولاً إلى صيغة أكثر تفصيلاً تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق المحتلّة مقابل انتشار الجيش اللبناني وعودة المدنيين إلى قراهم.
ووفق المعلومات المتداولة في أوساط متابعة للمفاوضات، فإن الاقتراح الذي يحظى باهتمام متزايد يقوم على اعتماد مناطق تجريبيّة تبدأ من قضاء النبطية او صور، حيث تنسحب القوات الإسرائيلية ويدخل الجيش اللبناني بصورة كاملة وتعود العائلات إلى بلداتها وبجدول زمني سريع يواكب مسار المفاوضات بين ايران واميركا. وفي حال نجاح المرحلة الأولى وعدم تسجيل خروقات كبيرة، تنتقل العملية إلى قضاء النبطية او صور بحسب ترتيب المرحلة الاولى ، ثم إلى بنت جبيل التي لا تزال تمثل العقدة الأكثر حساسية في الحسابات الإسرائيلية، قبل الوصول إلى المرحلة الأخيرة التي تشمل مرجعيون وحاصبيا، بما يؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية المحتلة.
هذه الصيغة تنطلق بحسب المصادر من محاولة أميركية لإقناع إسرائيل بأنّ الانسحاب التدريجي يمكن أن يوفر لها ضمانات ميدانية أكبر من الانسحاب الشامل والفوري الذي ترفضه الحكومة الإسرائيلية حتى الآن. فتل أبيب لا تزال تعلن رسمياً أنها غير معنية ببعض التفاهمات التي نتجت عن الاتفاق الأميركي-الإيراني، وتؤكّد تمسكها بالبقاء في المناطق التي سيطرت عليها خلال الحرب، وهو ما يجعل المفاوضات المقبلة شديدة التعقيد رغم التقدم الذي تحقق في ملف وقف النار.
أما على المستوى اللبناني، فإن الأنظار تتجه إلى جلسة التفاوض المرتقبة في واشنطن، والتي ينظر إليها باعتبارها الجولة الأكثر أهمية منذ انطلاق المسار التفاوضي. فالوفد اللبناني يدخل هذه الجولة مستنداً إلى عامل جديد لم يكن متوافراً سابقاً، يتمثل في التفاهم الأميركي-الإيراني على ضرورة تثبيت وقف العمليات العسكرية. ومن المتوقع أن يركز المفاوض اللبناني على ثلاث أولويات أساسية هي تثبيت وقف النار بشكل رسمي ونهائي، وضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلّة، وضمان عودة السكان وإعادة الإعمار في المناطق التي تعرضت للتدمير خلال الحرب.
وتشير المعطيات إلى أن الجانب الأميركي سيدفع باتجاه ترجمة التفاهمات السياسية إلى ترتيبات ميدانية قابلة للتنفيذ، فيما سيحاول الإسرائيليون انتزاع أكبر قدر ممكن من الضمانات الأمنيّة قبل أيّ انسحاب. أما لبنان فسيحاول الاستفادة من المناخ الدولي والإقليمي المستجدّ لفرض معادلة تقوم على أن تثبيت الاستقرار لا يمكن أن يتحقّق من دون إنهاء الاحتلال وعودة الأهالي وانتشار الجيش على كامل المناطق الحدودية.
وعلى الرغم من أنّ الطريق ما زال مليئاً بالعقبات، فإنّ ما يجري اليوم يختلف عن كل المحاولات السابقة. للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، يتقاطع المسار الأميركي والإيراني على هدف واحد يتعلّق بلبنان، ويتمثل في تحويل وقف إطلاق النار من هدنة هشّة قابلة للانهيار في أيّ لحظة إلى اتفاق ثابت ومستدام. وإذا نجحت جولة واشنطن في ترجمة هذا التقاطع إلى خطوات عملية، فقد تكون المنطقة أمام بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها الجبهة اللبنانية من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق الترتيبات السياسية والأمنية طويلة الأمد.























































